فخر الدين الرازي

50

تفسير الرازي

جسد لا روح فيه ، قال الحسن . رفعها إلى الجنة تأكل فيها وتشرب ، وقيل : لما قالت : * ( رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ) * رأت بيتها في الجنة يبنى لأجلها ، وهو من درة واحدة ، والله أعلم كيف هو وما هو ؟ وفي الآية مباحث : البحث الأول : ما فائدة قوله تعالى * ( من عبادنا ) * ؟ نقول : هو على وجهين أحدهما : تعظيماً لهم كما مر الثاني : إظهاراً للعبد بأنه لا يترجح على الآخر عنده إلا بالصلاح . البحث الثاني : ما كانت خيانتهما ؟ نقول : نفاقهما وإخفاؤهما الكفر ، وتظاهرهما على الرسولين ، فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون وامرأة لوط كانت تدل على نزول ضيف إبراهيم ، ولا يجوز أن تكون خيانتهما بالفجور ، وعن ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط ، وقيل : خيانتهما في الدين . البحث الثالث : ما معنى الجمع بين * ( عندك ) * و * ( في الجنة ) * ؟ نقول : طلبت القرب من رحمة الله ثم بينت مكان القرب بقولها : * ( في الجنة ) * أو أرادت ارتفاع درجتها في جنة المأوى التي هي أقرب إلى العرش . ثم قال تعالى : * ( وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ) * . أحصنت أي عن الفواحش لأنها قذفت بالزنا . والفرج حمل على حقيقته ، قال ابن عباس : نفخ جبريل في جيب الدرع ومده بأصبعيه ونفخ فيه ، وكل ما في الدرع من خرق ونحوه فإنه يقع عليه اسم الفرج ، وقيل : * ( أحصنت ) * تكلفت في عفتها ، والمحصنة العفيفة : * ( ونفخنا فيه من روحنا ) * أي فرج ثوبها ، وقيل : خلقنا فيه ما يظهر به الحياة في الأبدان . وقوله : * ( فيه ) * أي في عيسى ، ومن قرأ ( فيها ) أي في نفس عيسى والنفث مؤنث ، وأما التشبيه بالنفخ فذلك أن الروح إذا خلق فيه انتشر في تمام الجسد كالريح إذا نفخت في شيء ، وقيل : بالنفخ لسرعة دخوله فيه نحو الريح وصدقت بكلمات ربها . قال مقاتل : يعني بعيسى ، ويدل عليه قراءة الحسن ( بكلمة ربها ) وسمي عيسى ( كلمة الله ) في مواضع من القرآن . وجمعت تلك الكلمة هنا ، وقال أبو علي الفارسي : الكلمات الشرائع التي شرع لها دون القول ، فكأن المعنى صدقت الشرائع وأخذت بها وصدقت الكتب فلم تكذب والشرائع سميت بكلمات كما في قوله تعالى : * ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ) * ( البقرة : 124 ) وقوله تعالى : * ( صدقت ) * قرىء بالتخفيف والتشديد على أنها جعلت الكلمات والكتب صادقة يعني وصفتها بالصدق ، وهو معنى التصديق بعينه ، وقرئ ( كلمة ) و ( كلمات ) ، و ( كتبه ) و ( كتابه ) ، والمراد بالكتاب هو الكثرة والشياع أيضاً قوله تعالى : * ( وكانت من القانتين ) * الطائعين قاله ابن عباس ، وقال عطاء : من المصلين ، وفي الآية مباحث .